عبد القاهر الجرجاني

142

دلائل الإعجاز في علم المعاني

و " رأيته وليس معه غيره " ، فهذا هو المعروف المستعمل ، ثم قد جاء بغير " الواو " فكان من الحسن على ما ترى ، وهو قول الأعرابي : [ من الرجز ] لنا فتى وحبّذا الإفتاء * تعرفه الأرسان والدّلاء إذا جرى في كفّه الرّشاء * خلّى القليب ليس فيه ماء " 1 " ومما ينبغي أن يراعى في هذا الباب : أنك ترى الجملة قد جاءت حالا بغير " واو " ويحسن ذلك ، ثم تنظر فترى ذلك إنّما حسن من أجل حرف دخل عليها . مثاله قول الفرزدق : [ من الطويل ] فقلت عسى أن تبصريني كأنّما * بنيّ حواليّ الأسود الحوارد " 2 " قوله : " كأنما بنيّ " إلى آخره ، في موضع الحال من غير شبهة ، ولو أنك تركت " كأن " فقلت : " عسى أن تبصريني بنيّ حوالي كالأسود " ، رأيته لا يحسن حسنه الآن ، ورأيت الكلام يقتضي " الواو " كقولك : " عسى أن تبصريني وبنيّ حوالي كالأسود الحوارد " . وشبيه بهذا أنك ترى الجملة قد جاءت حالا بعقب مفرد ، فلطف مكانها ، ولو أنك أردت أن تجعلها حالا من غير أن يتقدمها ذلك المفرد لم يحسن ، مثال ذلك قول ابن الرومي : [ من السريع ] واللّه يبقيك لنا سالما ، * برداك تبجيل وتعظيم " 3 " فقوله : " برداك تبجيل " ، في موضع حال ثانية ، ولو أنك أسقطت " سالما " ، من البيت فقلت : " واللّه يبقيك برداك تبجيل " ، لم يكن شيئا . وإذا قد رأيت الجمل الواقعة حالا قد اختلف بها الحال هذا الاختلاف الظاهر ، فلا بدّ من أن يكون ذلك إنّما كان من أجل علل توجبه وأسباب تقتضيه ، فمحال أن يكون هاهنا جملة لا تصلح إلا مع " الواو " ، وأخرى لا تصلح فيها " الواو " ، وثالثة تصلح أن تجيء فيها " بالواو " وأن تدعها فلا تجيء بها ، ثم لا يكون لذلك سبب وعلّة ، وفي الوقوف على العلّة في ذلك إشكال وغموض ، ذاك لأنّ الطريق إليه غير

--> ( 1 ) الإفتاء : جمع فتي بتشديد الياء وهو الشاب ، والأرسان : الحبال . والرشاء : حبل الدلو . والقليب : البئر . ( 2 ) لم أعثر عليه في ديوانه ( طبعة دار صادر ) ، وهو في الإيضاح ( 171 ) . الحوارد : جمع حارد وهو المهيب المنظر من حرد إذا غضب . ( 3 ) البيت في ديوانه ، والإيضاح ( 171 ) .